الجمعة 27 فبراير 2026 01:32 صـ
مصر وناسها

    رئيس مجلس الإدارة محمد مجدي صالح

    غطاطي للإطارات
    المقالات

    من الأزمة إلى الانطلاق: كيف يعيد الاقتصاد المصري صياغة مستقبله؟

    مصر وناسها

    بقلم: د. عصام قرطام
    تمر مصر بمرحلة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الدولية المتسارعة. فالعالم لم يتعافَ بالكامل من تداعيات الجائحة، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتضيف مزيدًا من الضغوط على أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما انعكس بشكل مباشر على اقتصادات الدول الناشئة، ومن بينها الاقتصاد المصري.

    وقد ظهرت آثار هذه التطورات في صورة ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، وزيادة تكلفة الاستيراد، فضلًا عن تصاعد أعباء خدمة الدين العام. وهي تحديات ألقت بظلالها على مستويات الأسعار والقوة الشرائية، وفرضت ضغوطًا إضافية على المالية العامة.

    غير أن ما نمر به اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمة عابرة، بل فرصة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي على أسس أكثر استدامة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة الآثار، بل في معالجة الجذور، وأهمها فجوة الإنتاج المحلي والاعتماد النسبي على الاستيراد في بعض القطاعات الحيوية.

    إن التحول إلى اقتصاد إنتاجي أصبح ضرورة وطنية. المطلوب هو تعميق التصنيع المحلي، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتحفيز المصانع المتوقفة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها ركيزة أساسية للنمو وخلق فرص العمل. كما أن إزالة المعوقات البيروقراطية أمام الاستثمار تمثل خطوة حاسمة لاستعادة الثقة وتحفيز النشاط الاقتصادي.

    وفي موازاة ذلك، ينبغي أن تحظى الصادرات بأولوية قصوى خلال المرحلة المقبلة. ففتح أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا والدول العربية، وتعزيز تنافسية المنتج المصري من حيث الجودة والتكلفة، يمكن أن يساهما في زيادة تدفقات النقد الأجنبي وتحسين الميزان التجاري.

    كما أن تحسين مناخ الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات، وضمان استقرار السياسات الاقتصادية، وتوفير بيئة تشريعية واضحة، يمثل عنصرًا جوهريًا في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء.

    ولا يمكن إغفال أهمية إدارة الإنفاق العام بكفاءة، مع الحفاظ على شبكات الحماية الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والاستقرار المجتمعي.

    إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، باعتباره المحرك الرئيسي للنمو والتشغيل والتصدير. فتمكين القطاع الخاص من أداء دوره بكفاءة سيعزز قدرة الاقتصاد على التعافي ومواجهة الصدمات الخارجية.

    ختامًا، ورغم جسامة التحديات، فإن المقومات متوافرة: سوق واسعة، موقع استراتيجي، وبنية تحتية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. وإذا ما تركزت الجهود على الإنتاج والتصدير ورفع الكفاءة، فإن الأزمة الحالية يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة.

    نبذة عن الكاتب:
    د. عصام قرطام رجل أعمال وخبير في العلاقات الاقتصادية الدولية، مهتم بتعزيز التكامل التجاري والاستثماري بين مصر والدول الإفريقية والعربية، ويدعم توجهات التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي وتعميق التصنيع المحلي.