الأحد 14 يوليو 2024 01:39 صـ
مصر وناسها

    رئيس مجلس الإدارة محمد مجدي صالح

    غطاطي للإطارات
    فن وثقافة

    (حُسَام كَناعنِة... صيَّاد الحكايا).. سليم النجار

    (حُسَام كَناعنِة... صيَّاد الحكايا).. سليم النجار
    (حُسَام كَناعنِة... صيَّاد الحكايا).. سليم النجار

    (حُسَام كَناعنِة... صيَّاد الحكايا).. سليم النجار

    توطئة

    حُسَام كَناعنِة أخصَّائي علم نفس، حصل على رسالة الماجستير في نفس التخصص، هو من بلدة عرَّابة البطوف- الجليل، اعتقل عام ٢٠٠٤ بتهمة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في زمن الحرب، وكما معروف أنَّ العدو بالنسبة للصهيونية هو الشعب العربي الفلسطيني.

    صدر له ديوانان شعريَّان وعملٌ سرديٌّ واحد في مجال أدب السجون.

    يُعرِّفُ دانيال غروجنوفسكي فنَّ القصَّةِ القصيرة بقوله: (الأقصوصة جنسٌ سرديٌّ وحيِّزٌ يتميزُ بتقلُّصِ عدد الشخصيات والأحداث وضمور سعة المكان وامتداد الزمان، فيكون له، نتيجة ذلك، مركز اهتمام وحيد، وتأتي النهاية فيه، في الغالب، غير منتظرة). وتُمثُّل قصص مَرَايا الأَسْر للأسير المحرَّر حُسَام كَناعنِة نموذجاً واضحاً لما ذهب إليه "غروجنوفسكي"، ولكن يبقى السؤال الحاضر هل يمكن تطبيق هذا المفهوم حرفيَّاً على التجربة القصصيَّة للأسير القاص حُسَام؟ ليس من السهولة الإجابة على هذا السؤال المشتبك مع فن القصَّة القصيرة، خاصةً في المشهدِ القصصيِّ الفلسطيني، الذي يحمل على كاهله كشف وتعرية المحتلِّ الإسرائيليِّ الإحلاليِّ، فحسام بنى عالمه القصصيَّ على الأحداث الإنسانيَّة، وهي متبانية في عيشها وتصرفاتها الحياتيَّة داخل السجون الإسرائيلة، وتجعل من هذا المجتمع موضوعاً للتشريح والفهم، وذلك بالتعرض لشريحة أو موقف من الحياة، وهذا الاعتماد يرتكز على الإيحاء بفتح التأويل على مصرعيه في اتجاه عالم الصور التي أبرزها حُسام، مُبيِّناً قسماتها من خلال الحكي.

    (مَرَايا الأًسْر قَصَصٌ وَحكايا مِنَ الزَّمنِ الحَبِيس) الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع- عمَّان- ٢٠١٥ تميَّزت بالتكثِّيف والترميز من إشاعاتٍ دلاليَّةٍ لدى المتلقِّي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سرديَّة متعدِّدة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والشخصيات القصصيَّة، وما تنطوي عليه من أبعادٍ دراميَّةٍ مشحونةٍ بالتوتر والقلق. وقد اشتهر من القصَّاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، ويوسف إدريس، ويحي حقِّي، وغسَّان كنفاني، ومحمد زفزاف.

    تنخرط هذه المرجعية مع القاصِّ حُسَام كَناعنِة في تحميل اللغة سياقات لسنيَّة حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح لِّلغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محليَّة، كما فعل في قصة "مَنْ عَرَف المرأة نَجا":(أمَّا العارفين ببواطنِ الأمور فقالوا: عليكَ بمعرفةِ المرأة، فَمَن عَرَف المرأة عافاهُ الله من كلِّ عِلَّة وآفَّة. وقد أكَّدَ ذوو الخِبرةٍ أنَّ هذه القاعدة تصلُحُ للحياة بشكلٍ عام، فقالوا: مَن عًرَفَ المرأة نَجا ص٧٥).

    إنَّ الجملة السرديَّة عند حُسَام امتدادٌ لنفسيَّتهِ المتشظِّية ما بين الواقع كما يُعاش على المستوى الوجوديِّ في المعتقل الإسرائيليِّ، والمُتخيَّل كما يُوحي ذوبان لغة القاصِّ في ذاته، وهو ما يمكن تسميته بالموقف الفكريِّ، فيُؤسِّس له القاص مرجعاً ينطلق ويعود إليه كما هو واضح في قصة "مُفاوضات": (إذا لم تكن الحياة مُفاوضات ومفاوضات فما هي إذاً؟! ص١١٢)، حيث نجد أنَّ وضوحَ اللغة يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى تركيبات لغويَّة تضعُ أمامها كل إمكانيَّات اللغة على المجاز والاستعارة، حيث يجعل القاصُّ عالمه ضمن قابليَّته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة في تجانسها الداخلي كما هو في قصة "لارا":(موعدُ الإفراجِ يقتربُ، وأنا أزدادُ قلقاً وتوتُّراً وفضولاً وشوقًا إلى الحياة خارج أسوار هذا السجن البيغض. لأُرتِّب أوراقي ودفاتري ورسائلي، لعلِّي أُرتّبَ ولو قليلاً مِن الفوضى المعشَشَة في رأسي ص١٦٥).

    إنَّ شخصيات قصص حُسَام كناعنة نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغويِّ الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصيِّ من خلال بنيته الشكليَّة والدلاليَّة، كما في قصة "أبو العُرِّيف": (يتمترَّسُ خلفَ موقفه ورأيه، ولا يخشى لومَة لائم: يا ابنَ الحلال، يا ابن النَّاس! لا حياة لَمِن تُنادي. يَستلُّ جوابَهُ الجاهزَ مِن جَعبتَهِ، ويرميه كالقنبلة وَسط الغرفة، وإذا أنت رَجُل، أقْنِعْهُ بخلاف ما يقول! ص٦٩)، وفيما استطاع القاصُّ أن ينسجه أنموذجاً تتَّصف به كل قصصه السرديَّة، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكليَّة إلى فضاءِ بنية الدلالة كما هو في قصة "الرّسالة": (الرّسائل هُنَّ بناتُ الأسر! وهل مازال هنالك أحدٌ يكتب- في هذا العصر- الرسائل الورقيّة التقليديَّة؛ غير الأسرى وَمَنْ يُراسلهم! ص١٨٥)، فرغم أنَّ اللغة هي أصلُ فعلِ الحكي فهي سرد حُسام، استمرت في الوجود وتلاحقت من خلال الشكل اللغوي، وأشَّرت على قاص مفارق يتحدَّد في ما وراء الفعل الحكي، كما هو في قصة "عُمَر": (- وماذا عنِ السجَّان؟

    قال: إمَّا التعايش مع السجَّان، فالسّجن، كما تعلم،عبارة عن عوالم في عالَم، بكل ما فيه من تقاطع ومضاد وتنافرُ. كلُّ أسير مٍنَّا هو عالمٌ قائمٌ بذاته، بسلبيَّاته وإيجابيَّاته، بنزواتِهِ وخصوصيَّته وقُدراته، بضعفه وقوّته ص٣٩)٠

    كتب القاصُّ قصصه في مجموعة "مَرَايا الأَسْر- قَصَصٌ وحكايا مِنَ الزَّمنِ الحَبِيس"، بصيغة الجمع، كما عَبَّرَ بصدقٍ عن الذَّات المُنصهرة في أتون (قضيَّة الأسرى الفلسطنيين في المعتقلات الإسرائيلية)، حيث لمسنا في قصص المجموعة الكيفيَّة التي اصطبغت بها مجمل الصفات المميَّزة للأسير الفلسطيني بصيغة سرديَّة كاشفة عن عوالم المعتقلين، مما يؤكِّد الرؤية الفكريَّة والثقافيَّة للقاصِّ الأسير حُسَام كَناعِنة، والحضور الصارخ للذات، والذات هنا ليست الرغبات الخاصة، إنَّها قضية وطن محتل، أراد هؤلاء الأسرى التأكيد على الوطن، ليس كذكرى، بل هو ضميرهم الجمعي، فقصَّ حُسَام مَرَايا الأَسْر.

    سليم النجار الأسير المحرر حسام كناعنة